حين يرفع الإنسان عينيه نحو السماء في ليلةٍ صافية، يشعر أن قلبه يُسافر بين الكواكب والنجوم، فيرى الكون كأنه ساعة عظيمة نبضها الضوء، وإيقاعها الزمن، وعقاربها الشمس والقمر والنجوم. كل شيء يتحرك بانسجامٍ مدهش، لا عشوائية فيه ولا فوضى، بل موسيقى كونية منضبطة، كتب الله حساباتها بدقة بالغة. خذ الشمس، تلك السيدة المتوّجة على عرش النهار، تشرق كل صباح لتعلن بداية الحياة، وتغيب لتغمر الكون بلحظة سكونٍ حالمة. بحركتها نعرف الساعات والمواقيت، فهي ميزان الزمن اليومي، تبعث الدفء والنور، وتذكّرنا بأن كل يومٍ جديد هو فرصة لبداية جديدة. ثم يأتي القمر، رفيق الليل وشاعر السماء، يدور في صمتٍ وحياء، يتبدّل وجهه من هلالٍ إلى بدرٍ إلى محاق، كأنه يعزف لحن الزمن على وتر الضوء. ومن دوراته العجيبة تُولد الشهور القمرية، فيحيا الناس على إيقاع نوره، ويهتدون به في عباداتهم وسيرهم، كما يهتدي القلب بنور الإيمان. أما النجوم، فهي لآلئ الليل، لا تكتفي بالزينة، بل ترسم للإنسان خريطة الزمان والمكان. بتغيّر مواقعها يُعرف الصيف من الشتاء، والمشرق من المغرب، وكأنها صفحات مضيئة في تقويم السماء.
وفي قلب هذا المشهد العظيم، يسطع النجم القطبي — ذاك الحارس الثابت في عتمة السماء — لا يزول عن مكانه، يرشد التائهين، ويذكّرهم أن في هذا الكون نقطة ثباتٍ لا تتغير، كما أن في القلب إيمانًا لا يزول، يقف في مكانه منذ قرون، يشير إلى الشمال الحقيقي، وكأن الله جعله بوصلتنا السماوية التي تهدينا في ظلمات البر والبحر. وحتى حين يتبدل موقعه ببطء عبر آلاف السنين، يبقى شاهدًا على دقّة دوران الأرض، وسمفونية الحركة التي لا تخطئ لحنها.
إن الشمس والقمر والنجوم ليست مجرد أجرامٍ تدور في فضاءٍ بارد، بل لغة من لغات الله في الكون، تخبرنا أن الجمال يمكن أن يكون علمًا، وأن الحساب يمكن أن يكون شعرًا. فكل حركة فيها رسالة، وكل ضوء فيها نداء: أن هذا الكون يسير بأمر خالقٍ حكيم، لا تتقدّم ذرة ولا تتأخر إلا بميزانٍ دقيق. كما قال تعالى ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن: 5) وكذلك ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (النحل: 16) فسبحان من جعل السماء ساعةً من نور، تضبط الزمن بإيقاعٍ من الدهشة والجمال. وكلما نظرنا إليها، تذكّرنا أننا لا نعيش في فراغ، بل في كونٍ نابضٍ بالإيمان، منسوجٍ من الضوء والرحمة والنظام — ساعة كونية عظيمة، تدقّ على وقع إرادة الله.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق