د. احمد فؤاد السعد

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2025

ما الذي يعلمنا إياه قنديل البحر هذا عن التقدير الإلهي

 



في عتمة البحر، حيث لا صوت ولا أثر ولا طريق، يسبح كائنٌ شفاف بالكاد يُرى، صغيرٌ إلى حدّ أن العين قد تمرّ به دون أن تنتبه، لكنه يحمل في حركته رسالةً أعظم من حجمه بكثير. قنديلٌ سريع، بلا عظم ولا قلب ولا دماغ، ومع ذلك يشقّ الماء بنبضاتٍ محسوبة، كأن كل دفعةٍ منه صلاةٌ صامتة، وكل اندفاعٍ تسبيحٌ خفيّ لا تسمعه إلا سنن الكون. لا يملك قوةً تُرى، ولا سلاحًا يُرهب، لكنه أُعطي قانونًا داخليًا دقيقًا، يعرف متى يندفع ومتى يهدأ، متى يلمع في الظلام ومتى يختفي، فيعلّم من يراه أن البقاء ليس بالقوة الظاهرة، بل بالتقدير المحكم.


هذا الكائن الذي لا عقل له بالمعنى الذي نعرفه، يتحرك بعقلٍ كونيّ أعمق؛ شبكةٌ عصبية بسيطة، لكنها تعرف طريقها في الماء كما يعرف القلب الصادق طريقه إلى الله. لا يخطئ إيقاعه، ولا يبدّد طاقته، ولا يتجاوز حدّه، وكأنه خُلِق وهو يعلم أن السرعة بلا حكمة هلاك، وأن القلة إذا أُحسِن تدبيرها تغلب الكثرة إذا فسد توجيهها. يعلّمنا أن الخفة نعمة، وأن التخفف من الأثقال هو أول شروط الانطلاق، وأن ما نراه هشًّا قد يحمل في داخله سرّ النجاة.


وحين يضيء في الظلام، لا يضيء ليُرى، بل ليحيا؛ نورٌ وظيفيّ لا استعراض فيه، كأن الكون يقول: ليس كل نورٍ خُلق للزينة، بعضه خُلق للنجاة. هكذا تمضي هذه المخلوقات في صمتها العميق، لا تشكو قسوة البحر ولا تسأل عن معنى وجودها، لأنها أُودِعت المعنى منذ الخلق، وسُلّمت المهمة دون تردّد، فأنجزتها بلا اعتراض.


وفي تأملها درسٌ للإنسان؛ أن الله لا يربط العطاء بالحجم، ولا الحكمة بالقوة، ولا الرسالة بالضجيج. قد يضع أعجب القوانين في أضعف الأجساد، وأدقّ الهندسة في أبسط التراكيب، ليقول لنا إن العظمة ليست فيما نملك، بل فيما أُحسن تقديره لنا. فسبحان من جعل في قطرة ماءٍ آية، وفي كائنٍ شفاف برهانًا، وفي سرعةٍ صامتة شاهدًا على قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق