خلد الماء يعد بحق من أعجب دلائل القدرة الإلهية في مخلوقات الأرض، فهو كائن يجمع بين خصائص متباينة يصعب اجتماعها في حيوان واحد فهو يناقض نظرية التطور والانتقاء الطبيعي. فعلى الرغم من كونه من الثدييات إلا أنه يبيض كالطيور والزواحف، وكأن الله تعالى جمع فيه إشارات من أصناف متعددة ليدل على بديع صنعه. يمتلك هذا الحيوان الغريب منقاراً يشبه منقار البط، وذيل قندس، وأقداماً مفلطحة مزودة بأغشية تساعده على السباحة بإتقان، مما يعكس تنوعاً مدهشاً في بنيته الجسدية.
ومن عجائبه أن الذكر يحمل شوكة سامة في قدميه الخلفيتين، وهو أمر نادر جداً بين الثدييات، وكأن في ذلك تذكيراً بأن الخلق كله خاضع لإرادة الله الذي يهب كل كائن ما يناسب بقاءه، قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (هود: 6). كما أنه مزود بمستقبلات كهربائية متطورة ترصد الإشارات الصادرة عن حركة فرائسه في الماء، فيحدد موقعها بدقة حتى في الظلام التام، وهي قدرة عجيبة لا يملكها معظم الكائنات.
وعيناه تحويان مخاريط مزدوجة للرؤية، بينما لا يمتلك معدة كبقية الحيوانات، بل ينتقل الطعام مباشرة من المريء إلى الأمعاء، إضافة إلى امتلاكه عشرة كروموسومات فقط في بنيته الوراثية. والأدهش أنه يتوهج بلون أخضر مزرق تحت الأشعة فوق البنفسجية، وهي خاصية فلورية نادرة في الثدييات، تبرز إبداع الخالق في أدق تفاصيل خلقه. فسبحان من أبدع هذا التنوع العجيب وأودع فيه آيات باهرة، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: 53
ومن أروع ما يميّزه:
1. هو ثديي يبيض، إذ يضع بيضًا كالزواحف والطيور ثم يُرضع صغاره بالحليب، جامعًا بين عالمين مختلفين في كائن واحد.
2. لا يمتلك معدة وظيفية ولا أحماضًا معدية، بل يهضم طعامه عبر نظام بديل يعتمد على الطحن الميكانيكي والامتصاص المعوي المباشر.
3. يملك حاسة الاستقبال الكهربائي، حيث يستطيع منقاره رصد الإشارات الكهربائية الضعيفة الصادرة عن عضلات فرائسه تحت الماء بدقة مذهلة.
4. الذكور فقط تمتلك شوكة سامة في الأرجل الخلفية، وسمّها شديد الألم وقد يستمر تأثيره أيامًا دون أن يكون قاتلًا عادة للإنسان.
5. يجمع صفات تبدو متناقضة؛ منقار يشبه البط، وذيل يشبه القندس، وفراء كثيف كالقوارض، ومع ذلك يعمل كجهاز واحد منسجم.
6. يُغلق عينيه وأذنيه وأنفه أثناء الغوص، معتمدًا كليًا على المنقار كأداة استشعار، في مثال نادر على التكيّف الوظيفي.
7. حليبه لا يخرج من حلمات، بل يُفرز عبر مسام جلدية ليلعقه الصغار من فراء الأم، في نظام رضاعة فريد بين الثدييات.
8. يملك جينومًا مزيجًا عجيبًا؛ يحوي صفات وراثية للثدييات والطيور والزواحف معًا.
9. نشط غالبًا ليلًا وفجرًا، ويقضي ساعات طويلة في البحث عن الطعام تحت الماء، مع قدرة عالية على تنظيم الطاقة والحرارة.
10. عندما اكتشفه الأوروبيون أول مرة ظنّوه خدعة أو غير حقيقي، من شدة غرابته، قبل أن يثبت العلم أنه مخلوق حقيقي متكامل وهو شاهد صدق على أن الخلق حين يصدر عن حكمة عليا يأتي متكاملًا لا نقص فيه ولا عبث، ﴿هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾.
المراجع :
- Grant, T. R., & Temple-Smith, P. D. (2003). Breeding biology of the platypus (Ornithorhynchus anatinus): a synthesis of findings from captive and field studies. Reproduction, Fertility and Development, 15(5), 289–299. https://doi.org/10.1071/RD02097
- Manger, P. R., Hall, L. S., & Pettigrew, J. D. (1998). The development of electroreceptors in the platypus (Ornithorhynchus anatinus). Brain, Behavior and Evolution, 51(3), 218–228. https://doi.org/10.1159/000006537
- Anich, P. S., Anthony, S. E., Carlson, B. N., & Gunnelson, A. S. (2021). Biofluorescence in the platypus (Ornithorhynchus anatinus). Mammalia, 85(2), 173–177. https://doi.org/10.1515/mammalia-2020-0027

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق